مروان وحيد شعبان

171

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

ثانيا - مرحلة خلق السماوات والأرض قال تعالى : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) « 1 » . كان الحديث في الآية الأولى عن طبيعة المادة الكونية الأولى وماهيتها ، وكيف أنها كانت كتلة واحدة ثم انفصلت ، أما هنا فالآية تتحدث عن أطوار خلق السماوات والأرض ، والمراحل التي اعترتها بعد عملية انفصال المادة الأولى . وهذه الآية الكريمة تقرر حقيقة كونية ثابتة وقطعية الدلالة وهي ، أن الأرض بعد عملية فتق الرتق خلقت أولا ، ثم تمّ تشكيل السماء وبناؤها من الدخان ، وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين ، ولقد وقع في الخطأ والخلط من حاول أن يقدم مرحلة خلق السماوات على الأرض ، بسبب رغبة شديدة دفعته إلى توأمة هذا النص القرآني مع التخمينات النظرية التي تحدث عنها بعض الفلكيين ، من أن السماوات خلقت قبل الأرض ، وهذا الكلام لا يستند إلى دليل لا من النصوص القرآنية ولا من المعطيات العلمية الثابتة ، وهذا ما سيوضح بعد إلقاء نظرة حول هذه الآية في كتب التفاسير . ففي « أنوار التنزيل » : ( قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ في مقدار يومين ، أو نوبتين ، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ، ولعل المراد من الْأَرْضِ ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها فِي يَوْمَيْنِ أنه خلق لها أصلا مشتركا ، ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد نحوها من قولهم : استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره ، والظاهر أن ثم تفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في المدة لقوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها : وَهِيَ دُخانٌ أمر ظلماني ، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي كتب منها : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة ، أو : أَتَيْنا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة ، أو الإخبار أو إتيان

--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآيات 9 - 11 .